ابن عجيبة

383

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وجعل العلم للّه والدراية للعبد ، لما في الدراية من معنى التكسب والحيلة ، فهذه الأمور الخمسة قد اختص اللّه بعلمها . وأما المنجم الذي يخبر بوقت الغيث والموت ؛ فإنه يقول بالقياس والنظر في المطالع ، وما يدرك بالدليل لا يكون غيبا ، على أنه مجرد الظن ، والظن غير العلم . وعن ابن عباس : من ادعى علم هذه الخمسة فقد كذب . وجاءه يهودي منجم ، فقال : إن شئت أنبأتك أنه يحم ابنك ويموت بعد عشرة أيام ، وأنت لا تموت حتى تعمى ، وأنا لا يحول علىّ الحول حتى أموت . قال له : أين موتك ؟ قال : لا أدرى ، فقال ابن عباس : صدق اللّه : ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ . ورأى المنصور في منامه ملك الموت ، وسأله عن مدة عمره ، فأشار بأصابعه الخمس ، فعبرها المعبرون بخمس سنين ، وبخمسة أشهر ، وبخمسة أيام . فقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : هو إشارة إلى هذه الآية ، فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا اللّه . ه . وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته : قيل : إن اللّه تعالى يعلم الأشياء بالوسم والرسم ، والرسم يتغير ، والوسم لا يتغير ، فقد أخفى اللّه تعالى الساعة ، ولم يخف أمارتها ، كما جاء عن صاحب الشرع . وكذا قد يطلع أولياءه على بعض غيبه ، ولكن لا من كل وجوهه ، فقد يعلم نزول المطر من غير تعين وقته واللحظة التي ينزل فيها ومقداره ، وبالجملة فعلم ما يكون من الخواص ، جملة لا تفصيلي ، وجزئي لا كلى ، ومقيد لا مطلق ، وعرضى لا ذاتي ، بخلاف علمه تعالى . ه . قال المحلى : روى البخاري ؛ عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب خمس : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ . . « 1 » إلى آخر السورة . . ونقل ابن حجر عن ابن أبي جمرة ، بعد كلام ، ما نصه : والحكمة في جعلها خمسة : الإشارة إلى حصر العوالم فيها ، ففي قوله : ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ : الإشارة إلى ما يزيد في الإنسان وما ينقص . وخص الرحم بالذكر ، لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ، ومع ذلك فنفى أن يعرفها أحد بحقيقتها ، فغيرها بطريق الأولى . وفي قوله : لا يعلم متى يأتي المطر : إشارة إلى أمور العالم العلوي ، وخص المطر مع أن له أسبابا قد تدل بجرى العادة على وقوعه ، لكنه من غير تحقيق . وفي قوله : « لا تدرى نفس بأي أرض تموت » : إشارة إلى أمور العالم السفلى ، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ، ولكن ليس ذلك حقيقة ، وإن مات ببلده لا يعلم بأي بقعة يدفن فيها ، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه ، بل قبر أعده هو له . وفي قوله : « ولا يعلم ما في غد إلا اللّه » : إشارة إلى أنواع الزمان ، وما فيها من الحوادث ، وعبّر بلفظ ( غد ) ؛ لكون حقيقته أقرب الأزمنة إليه ، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه ، مع إمكان الأمارة والعلامة ، فما بعد

--> ( 1 ) أخرج حديث مفاتيح الغيب ، البخاري في ( الاستسقاء ، باب لا يدرى متى يجئ المطر إلا اللّه ح 1039 ) .